رئيـــس التحريـــر يكتـــــب…مَمَـــر الموتــــى قصـــــة مَرضـــي

كتب في : الأربعاء 04 مايو 2016 بقلم : إبراهيم عارف
عدد المشاهدات: 27942

هذا التحقيق ليس استجداءً للتعاطف او طلبا ً للدعاء او الرحمة او الشفقة.. و لكنه تحقيق عن حالات انسانية مرت بظروفي التي عشتها داخل الرعاية المركزة بالقصر العيني بعضها مات تحت عيني و كان مجاوراً لسريري و البعض الآخر مات في صمت دون ان يدري اي من العاملين بالرعاية المركزة ان هناك من مات و يكتشف ذويهم انهم ماتوا فجاة خلال زيارة في منتصف الليل دون ان يدري احد ..

فصاعقة المفاجأة تتساوي تماما مع فقدان الروح و نهاية الحياة اكتب الان هذا التحقيق بينما تجْمع اسرتي متعلقاتي الشخصية بعد قرار خروجي من المستشفي لاستكمال رحلة العلاج داخل البيت.. قصة مرضي بسيطة .. انفجرت زائدة دودية اضافية نادرة في جسدي لا توجد الا عند اثنان بالمائة فقط من البشر .. كانت قد التهبت في احدي الليالي دون ان ادري و تعاملت معها علي انها مجرد عارض مرضي يمكن للمسكنات ان تسيطر عليه .. تجاهلت العلاج فانا واحد ممن لا يعبأون غالباً بحالتهم الصحية و أتحامل علي آلامي و لكن هذه المرة تجاهلت الثقب المنفجر في امعائي ..

تزايدت الآلام و تاه الادراك وسط كل الاوجاع التي طاردتني علي مدار اللحظة . ساعات طويلة مع الالم بانتظار إجراء اشعات و تحاليل بمستشفي التطبيقيين.. كان البرد قاتلا ً او هكذا كنت اشعر .. كانت حالة مريبة تطاردني و الجميع يتهامسون دون ان افهم ما يدور حولي نعم هم يتكلمون عني .. يسالني كل الاطباء اذا ما كنت اتناول المخدرات او العقاقير.. في النهاية لاشئ كانت سيارة اجرة تنظرنا بالخارج .. أضواء الشوارع البرتقالية تلامس سقف العقل عندي و كل شيئ حولي يشعرني بالجنون.. كأنني لم أمر بهذه الحياة من قبل ..

سمعت زوجتي و ابن شقيقتي يقولون للسائق مستشفي القصر العيني الفرنساوي .. انفعلت بشدة .. شتمت .. نعم بالفعل شتمت .. يا ولاد الكلب روحوني .. روحوني البيت .. كان لدي حنين غريب و شديد الي العودة الي البيت .. كنت اريد ان انام فقط انام .. كانت العودة الي السرير وقتها اقصي امنياتي و طموحاتي.. لكن تجاهل الجميع صراخي ..

استسلمت و انا لا اعرف سبب الاستسلام .. فقد دخلت فيما يشبه الغيبوبة لكنني افقت علي احد افراد الامن بالمستشفي يسال .. عايز كرسي و بالفعل وجدت نفسي علي الكرسي .. دخلنا الطوارئ لكن استمرت حالات الانتظار الاطول في تاريخ حياتي .. قرر الطبيب اجراء جراحة فورية .. ابتسمت .. و لم يفرق الوضع او يعني لي مفهوم الجراحة اي شيئ اكثر من نهاية الألم ..

ادخل في غيبوبة جديدة .. افقت منها داخل الرعاية المركزة استفيق كل لحظة علي صراخ الممرضة تعنفني ( ابراهيم .. ابراهيم .. ماتخلنيش اربط رجلك في السرير .. ) لا اعرف ما كان.. ردي عليها و لكن استفيق لحظياً .. اتحسس جسدي .. ستة خراطيم مدلاه علي جانبي جسدي وسابع داخل فمي يصل الي معدتي .. كل شيئ مثير للغثيان و القرف..

في الليلة الثانية لا استيقظ الا علي زجاجات مملوءة بالمحاليل .. بالفعل كل ليلة اكثر من خمس عشرة زجاجة قالوا ان البروتين في الدم صفر و البوتاسيوم و انهيار في وظائف الكبد و الكلي و شلل في حركة الامعاء و انهيار البلازما و خلايا الدم البيضاء و الحمراء .. لا اعرف لماذا اصروا علي انقاذ حياتي بعد تسمم الدم الي مستوي توقفت معه اجهزة جسدي ؟

ربما ليس هذا هو السؤال المهم و لكن الاهم انني الان مجرد رقم في سجلات المستشفي .. مجرد رقم .. و الارقام في المستشفيات مجرد دخول و خروج ..لكنني اكتشفت ان الذين يمرون بالرعاية المركزة من المرضي ينظر اليهم علي انهم اموات ..اموات لا بد و ان يمروا من هنا.. هكذا عشت داخل الرعاية المركزة صدر عشرة ايام ..لم تحاول ممرضة ان تسالني ان كنت اريد شئ او لماذا اتألم ..

فقد قرر الطبيب ان ينزع الخرطوم المتصل بالمثانة و المسئول عن اخراج البول .. قال وقتها حتي لا تتلوث المثانة و وافقت علي الفور .. و نزعها و تركني دون ان افهم حجم الاعباء التي ستترتب علي الإجراء .. لقد وجدت نفسي في مواجهة مع دورة المياة في كل لحظة.. كانت ملابسي مفتوحة من الخلف .. الملابس التي خرجت بها من غرفة العمليات و كنت احمل خمسة خراطيم اخري معلقة في جميع انحاء الجسد.. كانت ازمتي الوحيدة عندما اخرج الي الحمام هل تري الممرضات اجزاء من جسدي ام لا ؟ ..

و كنت لا ارتدي اية ملابس باستثناء ملابس غرفة العمليات.. نعم كنت مجرد رقم لم تسألني ممرضة واحدة علي مدار الوقت كيف اغطي ظهري عندما اقرر الذهاب الي الحمام خاصة و ان الليالي كانت باردة شديدة البرودة و كنت اضطر الي الذهاب الي الحمام كل لحظة خاصة و ان كميات ضخمة من المحاليل يستقبلها جسدي علي مدار اليوم اطلقوا عليها وقتها عملية غسيل الدم .. و الاكتفاء المنقوص من الاملاح و البروتينات ..

كانت رحلة الذهاب الي الحمام هي مشكلتي .. في ذات يوم استيقظت علي الماء الدافئ يغرق جسدي و الصابون يغسل الاملاح العالقة بانحاء جثماني.. نظرت لأجد شخص ما يغسلني .. انا الآن فعلا في الجنة كان فتي اسمر .. لا اتذكر اسمه .. لا يبتسم .. لا ينظر لوجهي .. كان الجرح في تلك اللحظة يمثل مأساة كيف يمكنني ان انقلب علي السرير و كيف يتركتي دقائق و انا نائم علي جنبي المشقوق لا اعرف و لكنني تحاملت وسط صرخاتي ..

ألبسني ملابس خضراء مرة ثانية لكنها كانت نظيفة .. شممت رائحة المساحيق فيها .. كنت مرتاحاً جداً لاول مرة منذ دخولي الي الرعاية المركزة التي كنت ادخل الحمام فيها حافي القدمين .. بالليل .. بالنهار.. يتساوي الوضع .. ادخل الي الحمام حافي القدمين .. لا اعبأ ماذا يوجد في ارضية الحمام و لا اخفي عليكم سراً انه كيف كان حمام واحد للسيدات و آخر للرجال و لكنه مقدار هائل من التلوث و القرف الذي عليك ان تتعامل معه فانت في النهاية مجرد ميت في نظر طواقم التمريض .. تمر من هناك ..

اذا خرجت من الرعاية المركزة يباركون لك و هذا ماحدث بالفعل معي عندما نقلوني الي رعاية قسم الجراحة و كنت سعيداً بخروجي من رعاية الصدر .. …و انزلوني الي الدور الارضي في رعاية الجراحة و كنت افهم وقتها انني نزلت الي الجنة .. ممرضات يغيرن لي ملابسي و يرحبنْ بشدة.. كنت سعيد جداً حتي نقلوني الي سريري الجديد في الرعاية المركزة بالجراحة و تركوني حتي نمت ..

و بعد دقائق اشتعلت حروب شديدة بين الممرضات و خناقات .. الجميع يصرخن في وقت واحد كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً و لا اعرف علي وجه الدقة علي اي شئ كانوا يتصارعون .. اقترب الموت مرة اخري كنت اضع يداي علي اذناي حتي أحجب الاصوات المتدافعة.. لا احد يسمع استغاثاتي .. كان بعض زملائي لا اتذكر من كان منهم و لكني نقلت اليه كم اتعرض لآلام شديدة جراء الضوضاء و تحدثوا الي جابر نصار و مدير المستشفي و في اليوم التالي تغير الوضع اكثر و قلّت الضوضاء لكنهم طلبوا مني حذاء لدخول الحمام و استمرت رحلة تعاطي الادوية و المحاليل التي كنت اهرب بين الحين و الاخر منها ..

فقد تعلمت كيف انزع الخراطيم من يدي و تعلمت كيف اوقفها حتي اتمكن من دخول الحمام .. و في اليوم الاول سألت كيف اصل الي دودة المياه و اشاروا الي أحد الممرات المملوءة بالاجهزة المستعملة و الادوات الطبية القديمة و ادوات النظافة .. كان الممر طويل و دافئ و هادئ .. كنت استمر في التمشية فيه أوقاتاً طويلة استمتع بالدفء و الهرب من المحاليل وازعاج الممرضات حتي اشفقت عليّ احدي عاملات النظافة و كانت سيدة عجوز.. كلما رأتني متواجداً في الممر بعد ان انهي حمامي تدعوا لي ..

كانت تشبه الي حد كبير جدتي .. كانت تراقب آلامي حتي قالت لي هذا الكرسي مخصص كمكان لاستراحة العمال اجلس فيه .. و اصبح هذا المكان منذ ساعتها يمثل مكاناً لهروبي الذي قد يمتد الي ساعات .. حتي لاحظوا اختفائي و شكلوا طوقم و فرقاً للبحث عن المريض الهارب حتي وجدوني نائماً بين الروبابيكيا علي كرسي عاملة النظافة ..

كنت انام و استغرق حتي اكاد ان أفقد الذاكرة.. يااه .. كم كانت اوقات عصيبة.. المهم اكتشفوا مكاني و كلما اختفيت وجدوني .. حتي جاءت الليلة التي قررت ان اضرب فيها عن الطعام و طلبت الخروج من الرعاية اما الي غرفة خاصة او الي مستشفي آخر .. و بالتنسيق مع نقيب الصحفيين جاءت مندوية من رئاسة الجمهورية طلبت من ان اختار المستشفي الذي ارغب الانتقال اليه .. و قالت وقتها الي مستشفي و كان القرار ان ابقي حتي جاءت ليلة اضرابي عن تلقي العلاج ..

كانت ليلة طويلة بدأت في التاسعة مساءً عندما دخلت احدي الممرضات كانت هائلة الجسد .. صوتها مبحوح و تجتهد في ان يصل صوتها الي الآخرين فتضطر الي ان ترفع صوتها المبحوح المتلاحق .. كان كلامها لا يتوقف .. تنتقل من الحديث مع هذا الي هذا .. حتي جاء الدكتور نادر عبدالدايم في الصباح و هو من جيل الاساتذة في الجراحة و يمضي وقته في الضحك و التهريج مع خفة ظل دائمة و كان قد قرر ان يغير لي علي الجرح بنفسه و بمنتهي العبقرية تعامل مع الجرح المتمدد حتي اكتشف وجود هذه السيدة و اكتشفنا انه يعرفها و سألها لماذا لا تتزوجين حتي الآن ..

و بصوتها العالي الشديد القلق .. كانت تتحدث معه.. مضي الدكتور الي طريقه و بعد ساعة تقريبا انفجرت الرعاية المركزة بعدد من حالات الموتي .. نعم ثلاث حالات من الموتي دفعة واحدة.. نعم انقذوا منها واحدة .. واظلمت الرعاية المركزة و تعامل الممرضات مع الحالة التي ماتت و كانت مقابلة لسريري و كان يبدو انه رجل من اسرة صعيدية ..

ببساطة شديدة غيروا له ملابسه بعد ان مات و علقوا به محاليل حتي يبدوا ان موته طبيعياً و غطوه بملايات بيضاء شديدة البياض .. وجاء اهله يبكون .. ثم نقلوه و مضوا و بعد دقائق حاولت ان اذهب الي الحمام الذي كان يمثل آفة مَرضي الحقيقة و لكن ممرضة شابة رفضت ان توقف المحاليل ففي هذه المرة كان عدد غريب من المحاليل معلق في عنقي و بدأت في الصراخ فالماء المحبوس داخل الجسد يمثل جمرة من اللهب داخل جوفي و نزلت من علي السرير و قررت تلك الممرضة المنتفخة ان تسليني عن طلبي دخول الحمام واغلقت الستارة واطفأت النور المطل علي سريري..

ودخلت اليّ من خلف الستارة .. ووضعت انفاسها في مواجهة وجهي و استمرت في الكلام عن ان الدكتور نادر كان شاهدا علي واقعة طلب الدكتور احمد شفيق استاذ القلب المعروف منها ان تعمل معه و لكنها رفضت لدرجة ان احمد شفيق حاول اعطائها مائة جنيه و لكنها أيضاً رفضت .. كل هذا الحديث المتداخل كان يمثل اثارة لما تبقي لي من العقل و رغم ان رائحة فمها تمثل لي بداية الاختناق الا انني كنت استجدي منها دخول الحمام .. كانت مستويات السكر تتراجع في الدم و تركتني و خرجت دون ان تحرر عنقي من المحاليل .. نعم تركتني ومضت ..

كانت احدي الفتيات الصغيرات تعمل في تلك النوبتجية و التي قامت بتركيب المحاليل تقف امامي .. اشرت لها .. اريد ان ادخل الحمام و بصفاقة غريبة دون ان ترد اشارت الي بالرفض و بأصبعها السبابة قالت.. لا .. لم اكن اعرف ماذا عليّ ان افعل و كنت وقتها اريد ان اشرب اي شئ .. اريد ان اتذوق العصير او الماء .. حالة من العطش الشديد انتابتني و لا يمكن ليداي ان تصل الي شئ من متعلقاتي ..

كنت عاجزاً بشكل يكفي لاقتراب الأجل ..اقسم اني رأيت الموت و الملائكة و كنت ابتسم مستسلماً .. اعلاناً عن النهاية التي كثيراً ما احببت ان تقترب .. و بعد ثوان معدودة فوجئت بشقيقتي الصغري تضع يدها علي رأسي و كنت احاول ان اصل الي العصير القريب من يدي و قلت لها اعطيني عصير او اي شئ فيه سكر كان زوجها قد انتابته حالة من الذهول و هو يراني انازع الموت .. كان يراني معلقا بسقف الحياة .. و عدت مرة اخري للحياة ابتسم..

و بقيت حالة احتباس البول التي لا اعرف كيف تخلصت منها .. لكن ما بقي لي ان اتذكره انني جريت الي ممر الروبابيكيا لاهرب فيه بقية اليوم .. لدرجة ان بعض الذين ارادوا زيارتي في ذلك اليوم كان يضطرون الي الجلوس معي بين الاجهزة المكهنة في ذلك الممر الدافئ .. وقرر الجراح الذي يتابع حالتي الي ان ينقلني الي احدي غرف النقاهة رأفة بوضعي الانساني داخل الرعاية المركزة في اليوم التالي كان توقيت نقلي محدداً في الثانية ظهراً و لكني للاسف وصلت الي غرفتي في العاشرة مساءً بلا سبب..

و ظللت طوال الساعات التسع متردداً بين سريري في ممر الموتي و بين كرسي العاملة العجوز التي اهدته لي شفقة بي في غفلة من رقابة الوضع اللا انساني للكثيرين ممن مروا من هنا .. من الرعاية المركزة الرعاية المركزة للجراحة بالقصر العيني الجديد

 

بداية الصفحة