تفاصيل زيارتي الفاشلة لجزيرة تيران

كتب في : الثلاثاء 05 يوليو 2016 بقلم : إبراهيم عارف
عدد المشاهدات: 24891

                                                  (1)

في طريقي الي شرم الشيخ استمرت الرحلة اكثر من ٩ ساعات .. اخذتني الخواطر الكثيرة و المتفرقة .. و كلما اقتربنا اكثر من شرم الشيخ يتلهفني الحنين الي تلك المدينة التي احببتها كثيرا رغم انني لم اقض فيها اكثر من ثلاثة ايام متواصلة في اية مرة .. مقابلتي الاولي مع حسين سالم و ابنه خالد كانت فيها.. مقابلتي مع اللواء محمد هاني و كان محافظا شهما لجنوب سيناء .. مقابلتي مع اصدقاء نشأت بيني و بينهم صداقات امتدت حتي الان ..احياء شرم الشيخ التي يقطنها الاجانب من جنسيات مختلفة خاصة الهضبة .. احياء شعبية و حارات شديدة الغرابة يختلط فيها الشعر الاصفر بالاسود .. البدو بالاجانب .. حياة مختلفة في الرويسة و الهضبة و الميناء البحري

                                                ( ٢ )

افيق علي نقطة تفتيش شرم الشيخ حيث المدخل الغربي للمدينة للقادمين من الشرق .. القاهرة و السويس و ابو رديس و بلاعيم و بلاعيم بحري و رأس محمد كان يوم الجمعة و الجنود و الضباط مجهدون بسبب ارتفاع درجة الحرارة لعد ان خرجنا من الكمين الامني .. وزع علينا مندوب شركة السياحة برنامج الرحلة و فوجئت بأن ضمن البرنامج زيارة جزيرة تيران و كان الحلم يراودني بأن ألتقط صورة أخيرة لي علي شواطئها و اصبح شغي الشاغل طوال الرحلة هو الوصول الي الجزيرة خاصة و ان حزب مصر القوية و حزب المؤتمر كانا قد اعلنا عن القيام برحلة الي الجزيرتين و لم يفعلا .. و لم يتحدث احد أو يبرر لماذا لم يذهب أحد و لماذا لم يتحرك أعضاء الحزبين لزيارة الجزيرتين و اعتبرت انا شخصيا انها مجرد ملاسنات سياسية و ما اكثر الواهمين سياسياً داخل الاحزاب .. و ما اكثر الاكاذيب وما اكثر الاملاءات الامنية التي تملي علي قيادات الاحزاب في مصر ولا يملك رئيس اي حزب مهما كانت قوته او شعبيته ان يصمد امام اتصال تليفوني من احد القيادات الامنية و هذا معروف لنا وقد كنا اعضاء في الحزب الناصري و نعرف كيف يتراجع رئيس الحزب عن موقفه في لحظة واحدة

                                                             ( ٣ )

وصلنا الي ( فندق تروبيتيل ) و كان يطل علي خليج نعمه .. و كان الفندق المفضل لدي مبارك و اولاده قبل ان يتم انشاء قرية سياحية و فيلات خاصة بمهبط للطائرات .. مشهد رائع فالفندق يحتضن جبال شرم الشيخ والبحر والسماء .. حمامات السباحة هي الاكثر اغراءً رغم انني ممنوع صحيا من ممارسة السباحة الا ان مشهد ابنائي يسبحون كان قد اشبع نهمي للنزول الي حمام السباحة ورغم ان الرحلة كانت اربعة ايام الا انني لم اغادر الفندق الا للتمشية مع صديقي سيد خطاب خلال اليوم الاول فقط ولكن الايام التالية كنت اشعر بالارتياح اكثر داخل غرفة الفندق .. نعم ما اجمل انت تبتعد عن هموم القاهرة وضغوط الحياة لكن كان يشغلي اكثر رحلتي الي تيران .. وكانني كنت خائف من الذهاب الي هناك رغم الحنين الشديد الي الوقوف عليها .. لانها بالفعل كانت الذكري الاليمة التي من الممكن ان تبقي لتطاردني بالاضافة الي الالم الشديد في القلب والحزن والوجع الممتد علي مر التاريخ لفقدان تلك الجزيرتين

                                                             ( ٤ )

في الصباح ايقظني ( كامل ) .. مندوب شركة السياحة وكنت مستيقظاً لان زوجتي كانت تتصل لايقاظي من الغرفة المجاورة منذ السادسة صباحاً وبالفعل استيقظت و اتجهت جرياً الي لوبي الفندق و هناك لم اجد احداً .. اتصلت بـ ( كامل) مرة اخري و لكنه نصحني بتناول الافطار لان الحافلة ستتأخر للتاسعة وفي التاسعة توقف الباص كان مملوءً عن اخره لدرجة انني لم اجد الا مكان واحد لي و لكن صعدت سيدتان لم تجدا مكانا ًو ما كان مني الا ان وقفت مستنداً الي كرسي السائق حتي وصلنا الي الميناء البحري الاف البشر كانوا يتدفقون لالتقاط الصورة الاخيرة لهم علي جزيرة تيران .. لم اتخيل حجم هؤلاء الناس .. عائلات كاملة تتزاحم لتصل الي القوارب التي تنتظرهم ليصلوا الي الجزيرة .. سوق ضخم للمتاجرة باسم جزيرة تيران مجموعات تتدفق كانه يوم العيد و الناس جميعا لديهم احساس باللهفة سماسرة كثيرون مع كل واحد منهم كشف بالاسماء .. و كل مجموعة من البشر يقف امامهم قائد مسئول عن توصيلهم الي المركب و علي جانبي البوابة الامنية امين شرطة يحصي اعداد الرؤوس الذين يعبرون البوابة و اخر يكتب العدد في دفتر خاص به .. سألت ( كامل ) لماذا يعدون الناس ؟ قال نحن نخرج بالعدد و نعود بالعدد حتي لا يهرب احد و سالت نفسي مستنكرا يهرب الي اين ؟ ركبنا اللنش و يبدو انه قد تم تجديده منذ فترة قريبة .. كان سائق اللنش متكئاً علي كرسي قيادته و يقود اللنش بقدمه .. كانت السرعة ثابتة و يستطيع تقدير مدي ثبات حركة اللنش .. و بدأنا نمخر عباب البحر الاحمر متجهين الي عمق خليج العقبة لكننا بمحازاة الساحل المصري .. ملايين الشاليهات و الاف القري السياحية المنثورة علي شاطئ الخليج .. لم اتخيل ان شرم الشيخ ممتدة بهذا الحجم الضخم من الابنية و الوحدات المصيفية جميعها بيضاء .. تراها من البحر كانها قصور الفراعنة منحوتة بين الجبال و فوقها .. ثروة عقارية هائلة نصف ساعة و لازال المركب يسير و بدأت الملامح الاولي لجزيرة تيران تظهر و سالت قائد اللنش اين جزيرة تيران اشار اليها كنا بعيدين عنها بما يكفي و لكن كانت المراكب الكبيرة و العبارات هناك مجسمة امامنا و ناقلات البترول و السفن التجارية تمر قريبة منا

                                                               ( ٥ )

فجاة توقف المركب .. و توقفت المراكب الاخري التي كانت تسير أمامنا و خلفنا و التي تحمل آلاف المصريين المتجهين الي جزيرة تيران .. توقفت جميع المراكب و كنت أتلفت حولي لاري سبب التوقف المفاجئ .. لم افهم شيئ و لكني اتجهت الي قائد المركب سألته – لماذا توقفت ؟ – هنا الاخر مش هنروح تيران ؟ هنا اخرنا – بس احنا جايين علشان نروح تيران؟ – حضرتك هنا آخرنا المياه الاقليمية – سالته يعني ايه المياه الاقليمية – قالي هنا آخر حدودنا البحرية ـ سالته في قرار بيقول كدا؟ ـ قالي الله اعلم – سالته عن اخر مرة وصل فيها الي شاطئ جزيرة تيران ؟ – قالي الله اعلم احد افراد شركة السياحة تدخل في الحوار قائلاً خلاص مفيش تيران .. تيران بح .. شايف لنشات حرس الحدود الموجودة هناك دي بتمنع اي احد من الوصول الي الجزيرة سالت ماذا لو اتجهنا الي هناك قال سيطلقون علينا النار بالتاكيد بعد تحذيرنا بالضرب في حالة الاقتراب و كان هذا ما يحدث بعد تسليم الجزيرتين بايام و لم نعرف ان الجزيرتين قد تم تسليمهما الا بعد ان منعتنا السلطات من الاقتراب من الجزيرة

                                                      ( ٦ )

تركت قائد المركب ووجدت نفسي منزوياً انظر الي جزيرة تيران في حسرة و ندامة .. لم اكن انتظر اكثر من صورة واحدة علي الجزيرة و لكنها لم تتم و انشغل الناس في تغيير برنامج الزيارة الي تيران ببرنامج بديل حول تعليم الغطس والذي استمر لمدة ساعة كاملة وانتهت الزيارة بابتسامات حاسرة من الناس وعدت انا بخفي حنين عاجزا عن التفكير حائرا اكتب ام لا اكتب اعبر عن حيرتي و حسرتي ام لا .. و رغم ان الكثيرين من اصدقائي حذروني من مغبة النشر الا انني لازلت اؤمن باهمية ان يعرف الناس ان الجزيرتين قد تم تسليمهما بالفعل للسلطات السعودية و تم نزع ايدي مصر عنها خلال مرحلة احزان مصر علي فقدان الطائرة المصرية

                                                        ( ٧ )

انتهت الملهاة اليوم باحكام مجلس الدولة ببطلان اتفاقية اعادة ترسيم الحدود و ابتهج الناس و حكمت المحاكم المصرية ببراءة المقبوض عليهم في قضايا التظاهر واصبح النظام في مصر في حيرة هل يسحب الجزيرتين من السعودية ام ( يخبط القضاء رأسه في اقرب حائط) و هذا ما سيحدث لان الجزيرتي قد تم تسليمهما بالفعل للسلطات السعودية وبالتالي لن تتمكن من مصر استعادتها الا من خلال حرب حقيقية بين الدولتين اللتين كثيرا ما احتفلنا بتماسكهما و قوة العلاقات بينهما الان لابد و ان تخوض الحكومة اغرب معركة مع القضاء لوقف حكم القاضي و سيتدخل القضاء الاداري الذي سيحكم بالتأكيد بتبعية الجزر للسعودية

                                                         ( ٨ )

الغريب في كل ما يحدث هو ان الشعب انقسم الي طائفتين هناك مؤيد في خجل و هناك معارض لسعودة الجزيرتين هناك ماساة بلاحدود ستشهدها ساحات القضاء لفرض عقوبات قد تصل للسجن في تهافت الهلافيت الذين برروا بالأمر تسليم مصر للجزيرتين بينهم مصطفي بكري و احمد موسي ومفيد شهاب وفتحي سرور والعشرات من الذين سهلوا للنظام وبرروا التفريط في اراضي مصر التي اتشبعت بدماء المصريين .. ناهيك عن البعد الاستراتيجي الذي تمثله الجزيرتين لمصر و التي تستدعي الي الاذهان بسط السيادة علي مضيق تيران وقت الازمات

                                                         ( ٩ )

الامر الوحيد الذي لم اتخيله حتي الان ان تصر الحكومة علي تسليم الجزيرتين للسعودية و تقاتل للحصول علي شرعية مزعومة للتفريط فيها .

 

بداية الصفحة