الأدب

الفقاعة الزجاجية

كتب في : الجمعة 10 نوفمبر 2023 - 7:04 مساءً بقلم : حنان فاروق العجمى

 

انتابها ذُعر شديد، ثِقَل بحجم جبل لم يجد له مكانًا على ظهر الأرض سوى صدرها ليَخُط فوقه، حالة شعورية اعتادت عليها من توالي الفواجع، ولكن هذه المرة صدمة غير متوقعة وفاجعة كموت الفجأة لم تحسب لها حسبانًا هذا الجاثوم الخانق، كابوس أم حقيقة؟

كمَنْ أُعدِم دون ارتكاب ذنب أو جريمة، دون محاكمة، أو نطق بالحُكم، فقط تنفيذ الإعدام!!

أي خطيئة ارتكبت؟

أي جُرم هذا ارتُكِب بحقها؟

غيمة سوداء، سبَحت في بحرها تُلاطمها الأمواج وتُغطيها، عيونها لا ترى أي بصيص أمل للخلاص

لا تستطيع أن تسبح مع التيار أو عكسه كلا الخيارين أسوأ من الآخر، لا أحد يسمع أنينها، تقتات حسرتها، وندمها على سنواتها الضائعة، ذكريات كئيبة تُعشِّش برأسها، أين كان عقلها غائبًا،

لماذا لم تصرخ؟

لماذا لم تستغث؟

إلى هذا الحد انقادت دون اعتراض!

لماذا جنوا عليها؟

أي مصلحةٍ هذه وأي فائدة عادت عليها؟

لماذا قتلوها بدمٍ بارد؟

أتلك روحها التي ما زالت تجول بين الأرض والسماء؟

بين الحياة والموت، عالم غريب تعيشه

لا تعلم إلى متى ستظل تُقاوم هذا البحر اللجي؟

انقطعت أنفاسها، لم يَعُد الهواء يستطيع دخول رئتيها المسكينتين، اهترأتا من كثرة الطعنات الغادرة المُصوَّبة نحوها بغير رحمة

أي غلٍّ هذا الذي يسكُن قلوبهم؟

لَعبَت دور الضحية بإرادتها ببراعة لا متناهية، تَبَرَّعت حتى بقطرات دمها القليلة التي هي كل ما تملكه للبقاء على قيد الحياة، قرَّروا مصيرها المؤلم ليناموا غير مشغولي البال غير مُكبَّلين بأي مسؤولية تُذكر!

دَقَّت طبول عُرسٍ مأساوي، قَدَّموها قربانًا، وأقاموا الأفراح والليالي الملاح، أوهموها بالحياة الوردية،

لا يهم مَنْ هم ساكني الجزيرة النائية التي قُذِفَت فيها لتَلقى مصيرها، وحتفها، جزيرة ضبابية، يدخلها شعاع واحد للشمس، شرعت تنسج أحلامها من خيوط هذا الشعاع الضعيف الواهن، عاش بداخلها أمل بمثابة المُسَكِّن الذي يُطَبِّب كل جرح يُفتح بأنسجتها والدواء اسمه " هناك بعيد ... بعيد كوكب آخر بزمان آخر سيجذبها لمجاله المغناطيسي يومًا ما" ... نعم عاشت على عبارة تُردِّدها "يومًا ما سيتحقق الحلم"

تعايشت بذكاء مع محنتها وكائن غريب غير واضح المعالم لا تعلم ماهيته، لا تعلم من أي عصر أتى؟

لماذا هي التي اختارها لتعيش معه على جزيرته النائية؟

لماذا تم الزج بها لتؤسس كيانًا لا يستوعبها؟

أي سذاجة تلك وصمت وطاعة عمياء اقتادتها لتدخل فقاعة مغلقة لا تجد فيها أبسط مايجعلها تتنفس بعض الهواء ؟ فقط القليل من الأكسجين الذي يعيش عليه أي إنسان طبيعي، لماذا تم هدمها عمدًا مع سبق الإرصاد والترصد؟ تساؤلات كثيرة تدور بمنعطفات رأسها لا تجد لها إجابة، فقط حالة من الذهول تنتابها

إلى هذا الحد لا قيمة لها في هذا الكون!

سُلِبَت إرادتها عُنوة، سُرقت أحلامها، ارتدت أكفان الأموات كلها، شرائط بيضاء تلتف حولها، فتحت عيناها لترى لونًا أبيضًا يحيط بها من كل جانب، أوهمت نفسها بأنه ثوب العُرس الخيالي الذي تحلم به أي فتاة، بحثت حولها عن الكائن الضبابي الذي يشاركها الحياة داخل هذه الفقاعة، تحدثت معه لم ينطق ببنت شفة!

سألته لماذا هي؟ لم يجبها!

نطق لسانه بشيء واحد فقط بعد صمت طويل!

الجميع يعيش هكذا!

نظرت إلى الخارج خلف الفقاعة التي تقبع بها

رأتهم من بعيد يشيرون إليها ويبتسمون ابتسامات باهتة، ويرددون ماذا تريدين أكثر من هذا!

فقاعتك تحميكِ من جميع الجوانب!

عليك بالامتثال وتَقَبُّل الواقع، تكيَّفي مع الوضع الجديد

تَخَلِّي عن الأوهام والأحلام الواهية افرحي وعيشي!!!

حدَّثت نفسها يبدو أن تلك الحياة يعيشها كل البشر على وجه الأرض، تساءلت .. وماذا إن اعترضت؟

ماذا تقول كائن غريب يساكنني صامت؟

مَنْ سيُصدقها، والأدهى أنهم يحسدونها على حياة وهمية داخل فقاعة بجانب كائن أشبه بالجمادات المتحركة، لا يعي، لايعلم لماذا اختارها لتساكنه تلك الفقاعة الزجاجية، وكانت تخاف أن تخدشها تحافظ عليها بكل ما أوتيَت من قوة، فهي كل ما تملكه في الدنيا وعالم البشر الكئيب، كل ما عليها التعايش والتأقلم، فلا بديل أمامها، أُغلِقَت الفقاعة بإحكام لا يوجد إلا فتحة صغيرة لا تستطيع الخروج منها إلى العالم القاسي الذي زج بها داخلها بغير رحمة، وإن حاولت العودة لابد من كسر الفقاعة السابحة على نهر مظلم عميق ضحل، أدركت أن مصيرها الغرق، لا سبيل للحياة، أدركت أن لا حيلة لها سوى الصلاة والدعاء والتَّقَبُّل لقدرٍ قد كُتب عليها، كما أنها لا تملك أي نوع من الأسلحة للدفاع عن نفسها، ولا تستطيع السباحة ستغرق حتمًا لا نجاة لها، تَزَيَّنَت، رسمت على الجدران الزجاجية زهورًا بجميع ألوان الطيف لترى عينها بكل ركن شيئًا يرتقي للجمال، قررت تجميل شرائط الأكفان التي تحيط بها، قامت بتطريزها بخيوط ذهبية لتضئ وحبات من اللؤلؤ تجمعها من فضاء الفقاعة دون أن تكل أو تمل، تترقب هذا الكائن الذي تُساكنه يلقي حبات اللؤلؤ أمامها وهو يعلم جيدًا أنها ستفرح بها وتأخذها لتُزيين شرائطها البيضاء، وكلما شعرت بحرارتها المنبعثة من تراكمها فوقها وضجرها من إحاطة جسدها شرعت تفك شريطًا منها، وكلما انكشف جزء من جسدها تُصاب بالبرودة والقشعريرة الشديدة فتعود لتُغَلِّف جسدها مرة أخرى بهذه الشرائط البيضاء وحتى تحب النظر إليها وتعتادها تقوم بنثر حبات اللؤلؤ عليها وحياكتها باحترافية بالغة لتشعر بقليل من السعادة، أصبح شغلها الشاغل أن تسأله عن ميعاد الخروج من الفقاعة لعالم أكثر أمانًا تدب فيه الحياة...

بالأحرى كانت تتساءل متى سأنعم بالعيش؟

فيجيبها غدًا سيكون أحسن من اليوم والغد لا يأت أبدًا فالزمن عبارة عن يوم واحد طويل لا تعلم نهاره من ليله ولا تشرق فيه شمس ولا يسطع فيه قمر، تنظر خارج الفقاعة فترى الناس تتعاقب عليهم الأيام، أما هي فتعيش يومًا واحدًا فقط بدون أي معالم واضحة

ولا نهاية له!! ولكن لم يتمكن منها اليأس أبدًا أسَّست لنفسها تقويمًا خاص بها وحدها، لا يوجد به شهور

ولا سنوات ولا أسماء للأيام

كل الأيام اسمها غدًا سيأتي!!!

وكلما غالبها النعاس بعد عمل متواصل تغُط في ثبات عميق وتصحو على فكرة واحدة تسيطر عليها وتهمس داخلها "هذا هو الغد"

سأنتظر السعادة لابد أنها ستزورني!!!

تنتظر وتنتظر ولا تأتي تلك السعادة يبدو أنها ضلت طريقها ولن تطرق باب قلبها، فجأة وجدت نفسها مسؤولة عن أرواح غيرها يعيشون معها كلما تعبت ونامت يقومون بإيقاظها بصوت ضحكاتهم البريئة لتقوم بإعداد الطعام والشراب وسرد القصص والحكايات لهم، كانت تخاف عليهم خوفًا شديدًا، ترعاهم رعاية كاملة، أصبحوا بالنسبة لها الأنيس والجليس ومِنْ يُهوِّن عليها هذا العيش الكئيب، مرَّ عليها الكثير وتحمَّلت، ظنت بأن هناك غد سيأتي عليها جديدًا، لكن لا جدوى ضاع الحلم ولا جديد في الأفق

وذات زمان من أزمنة الفقاعة قرر الكائن الغريب الذي تُساكنه كسر زجاج الفقاعة كله بدون إنذار هدم كل شيء صنعَته بيدها داس على زهورها الملونة بأقدامه، قَطَّع خيوطها الذهبية التي زينَّت أكفانها البيضاء نزع الشرائط التي تلتف بها كالشرنقة تناثرت حبات اللؤلؤ بكل مكان تَعَرَّى جسدها، سمعت بكاء أرواحها المؤنسة لها، أخذت تصرخ، وتصرخ، ولكنها لا تدري لماذا لا تسمع صوتها، استنجدت، نادت لم يجبها أحد، كانوا يرون إشارات الاستغاثة، ولا يجيبونها، يبتعدون عنها يخافون الاقتراب منها، وكأن طقوسًا للتنويم المغناطيسي قد تعرضوا لها، أفاقت على اختفاء الكائن الضبابي، ووقوعها على الأرض مغشيًّا عليها عارية الجسد تحتضن أرواحها البريئة التي تجهش بالبكاء، تذكَّرت أن حواء وآدم حينما تعرى جسديهما أسرعا وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، حينها أدركت حلول فصل الخريف، الأوراق الصفراء الذابلة المتساقطة من الأشجار تغطي كل شبر من الأرض حولها لم يكُن بيدها حيلة سوى النهوض وجمعها لتصنع منها رداءًا ودواءًا وبيتًا أغلقت بابه الضعيف، وعاشت خائفة من أي ريح أو عاصفة تَهُب فتهدم بيتها الجديد

لا تعلم إلى متى ستقاوم مع أرواحها الصغيرة؟

لا تعلم هل تستسلم وتلك هي النهاية؟

كم تمنت الخروج من الفقاعة على ربيع جديد ولكن يبدو أن فصل الربيع لا وجود له بحياتها منذ بداية خلقها وأن دنياها لن تعرف أبدًا إلا الخريف الذي

لا ينتهي والأوراق المتساقطة التي تحيط بها.

بداية الصفحة