الأدب

قراءة ومراجعة وتحليل لقصيدة (الرقصات)

كتب في : الأربعاء 17 إبريل 2024 - 1:54 صباحاً بقلم : حنان فاروق العجمى

 

قراءة ومراجعة وتحليل لقصيدة (الرقصات) لكاتبها د. أسامة عبد العزيز دكتوراه في الأدب المقارن وفقه اللغة والتنمية البشرية بقلم الأديبة والشاعرة والكاتبة الصحفية حنان فاروق العجمي

يَمثُل أمامنا هذا المتن الفلسفي التنويري ليصيبنا بحالة من الحيرة من بدايته وحتى النهاية مما يجعلنا نتفكَّر ونتأمل في هذه الفلسفة الخاصة لإبداع الشاعر ( قصيدة تنويرية فلسفية)

.....وكانت الرقصات....

رقص في النيران.....

رقص أمام الينابيع......

رقص فوق الرمال.....

كلها رقصات يا عزيزي ...

فعيناك شمسان محفورتان على وجه الريح...

يداك زمنان من الأمان يكبر عمري بينهما كطفل ماء..

ينساب بين سنين العمر...

وصوتك في جوف السحر يكور الحياة على هيئة بلورة زرقاء...

تحكم فيها رجل ذو لحية بيضاء كثيفة....

رقص أمام الينابيع رقص فوق الرمال ورقص في النيران....

مثل دموع منافذ النور ترقص عيني أمام وجهك...

وجهك العارف لكل اللغات ...

لغات الفراشات والورود....

الشجر أمام ظلك رماد أخضر كريستالي ...

والوقت أمام وجهك زمن بأربعين عمر...

ضحكتك كأس لخمر الليل وإيمان الصباح....

رقص في النيران رقص أمام الينابيع ورقص فوق الرمال....

أنفاسك ميزان للمدى ويد لكل النجوم...

فأنت تتعب الغيم إذا نعست وتوجِع النهر إذا تألمت....

بك أطوي المسافات لأصل لمصابيح النور أنت سيد الجمال الأول والأخير...

تفر الغزلان من أكمام الغابات وتركض شمالاً... شمالاً يحط الحمام أمام قدميك...

وتتسع عيون الغيب الشاردة بتفسخ العشب فوق جبينك...

بين الزجاج والضوء أرى ظلّ أصابعك...

وبين ثلاثة عشر قمراً وعشرة طيور أرى ظلّ فمك....

أنت تشد أعصاب قلبي العمياء بأقواس كلماتك..

ويبكي النخيل إذا كُسرت في عيني الأيام...

رقص فوق الرمال رقص في النيران ورقص أمام الينابيع....

شمالا تنطلق المراكب ويبقى الدمع والفخاخ في يد الصيادين...

الصيادين الذين سألوا عن مقامات الموج ولا يدركون معنى البحر...

"البحر"،رسالة الذاكرة المتروكة...

"في الأقدار أسرار وفي الأسرار أقدار"....

هذا هو أنت....

كلها رقصات...

تُرَى هل هي النزعة الفلسفية والتعبير عما يجول بخلجات النفس البشرية أم هي قصيدة نثرية يغلُب عليها الحس الرومانسي والحالة العاطفية التي تراءت للكاتب وقت تناوله لموضوع القصيدة التي تمتاز بالبناء المُحكم المترابط، بداية القصيدة بالتعبير الذي استخدمه الشاعر وكانت الرقصات حيث بدأ بحرف الواو مما يوحي بأنه قد كان هناك كلام وحديث سابق ثم جاءت التكملة والنص الأدبي بعده، البداية بالفعل الماض (وكانت) يوحي بأحداث قد مضت وانتهت ومرعليها وقت طويل وطواها الزمن مع الأيام كطي السجل .. تُرى عن أي رقصات يحدثنا الشاعر؟ ولماذا عَدَّد هذه الرقصات إلى أي مشهد يأخذنا؟ وإلى أي مسرح للأحداث؟ إنها ليست رقصات عادية فقد تنوَّعت ما بين الرقص في النيران وما يحمله من مخاطر واشتعال وحرائق وألم وعذاب ورقص أمام الينابيع التي هي عنوان الصفاء والسُّقيا والماء الطهور وعطاء الطبيعة وإعجاز الخالق وما أنعم به على المخلوق، ثم يأتي الرقص فوق الرمال والتعبير عن اللين والأثر الذي حفظته هذه الرمال لخطوات الراقصين عليها.. (كلها رقصات يا عزيزي) هكذا تُحَدِّثنا القصيدة ومن هنا تبدأ الحكاية ويسرد الحكَّاء نتساءل مَنْ المُتكَلِّم؟ وإلى أي عزيز يَتَوَجَّه بالحديث؟ وفي انتقالة سريعة يصف لنا الشاعر العينين وكأنهما شمسان محفورتان على وجه الريح ليُدهشنا بصورة جمالية مركَّبَة فيقول (فعيناك شمسان محفورتان على وجه الريح) هل هي عيناكَ والخطاب لمُذَكَّر ومَنْ المُخاطَب المقصود؟ ومَنْ الذي يُوَجِّه له الحديث؟ وهل سنتفاجأ بحوار يدور بين اثنين؟ أم أن هناك طرف مُتَكَلِّم والآخر يُنصت؟ لمَنْ العينان؟ له أم لها؟ هل هناك خطاب لأحدهما أم لإحداهُن؟ بداية مُحيِّرة لا تتضح معالم القصيدة أمام أعيننا بعد، ولكن لنتناول المعنى القريب وعلى ذكر كلمة عزيزي ربما هو حديث امرأة لعزيز، وهنا نتساءل هل هو عزيز عليها بالفعل؟ أم هو حديث موجه لأحدهم على سبيل التَّأدُّب لتوصيل معنى ما وراء الكلام وعند التسليم بأنه حديث رومانسي لجأ فيه الشاعر لوصف بعض الصفات الحسِّيَّة الملموسة للعزيز أو الحبيب فلنتتبع الأحداث التي بدأت بثلاث مسارح عليها ثلاث رقصات رقص في النيران ورقص أمام الينابيع ورقص فوق الرمال، ثلاثة عناصر من عناصر الطبيعة يمثلون الحياة بصورها النار والماء والتراب إنها فيزياء الطبيعة كلها عناصر ترتبط ببعضها فالماء رمز النماء والعطاء والنار مصدر الاشتعال والتراب يمثل الأرض لنتجه لفرضية أننا أمام عابدة تتعبد في محراب عشق صوفي حيث النزعة الإيمانية وتأمُّل الطبيعة وقدرة الخالق وربط هذا كله بالإنسان والحياة، هذه الصوفية التي تصف لنا معشوقها وعزيزها وتوأم روحها الذي تراه بعينها لا مثيل له وقد أبدع الشاعر في استخدامه الصورة الجمالية وتصوير عينا المعشوق بأنهما شمسان فالشمس تُضئ الكون وتُدفئ الكائنات الحية وهي مصدر النور فكيف لنا أن نتصور أن عزيز العاشقة عيناه شمسان لها تستمد منهما النور يُشرقان لها وحدها وتتراكب الصورة البيانية حيث يصور الشاعر على لسان العاشقة أن للريح وجه وهذا الوجه تُشرق عليه شمسا العزيز الموصوف ومن المعروف أن الريح مُتحرِّكة وغير ثابتة بمكان تنتقل من مكان لأخر ورغم هذا تظل شمسا العزيز تنيران هذا المُتَحَرِّك بثبات وقوة ويصف الشاعر على لسان العاشقة أن العينين لعزيزها شمسان محفورتان على وجه الريح، الشمس التي تُضئ لنا الكون تَشرق وتغرُب ولكن شمسي العزيز وهما عيناه محفورتين وثابتتين بمكانهما تستمد منهما العاشقة النور والدفء مهما تَغيَّر اتجاه الرياح ومهما تَغَيَّر وجهها وكأن عينيه تم تثبيتهما وحفرهما بوجه الريح تنيران الدروب والأفلاك والسماء مهما تغيَّرت الأحداث والأجواء وأتت الرياح بما لا تشتهي السفن،

الشاعر يصف حال العاشقة المتعبدة في محراب العزيز وما مَرَّت به في حياتها مع عزيزها من اشتعال ونار تحرق وتأكل الأخضر واليابس بقوة وعنفوان وعشق جارف وعذاب وألم وقوة تَمَسُّك والتحام بين روحين لا يمكن فصلهما مهما حدث ومهما اشتعلت حرائق بينهما أو حولهما أو باعدت بينهما الأقدار فلهما رقصة في النيران سويا فهي برد وسلام عليهما بقدرة الخالق الذي ربطهما معاً برباط مُقدَّس أبدي إلى ما لا نهاية ليرقُصا رقصة أمام ينابيع الماء حيث يتدفق العطاء على مسرح حياتهما ويُعطي كل منهما الآخر بلا حساب فتتفجر ينابيع الحب ويكون النماء والعطاء بلا شرط ولا مُقابل وتأخذهما الحياة إلى مسرح آخر ليرقصا رقصة أخرى فوق الرمال التي تحفظ أثر خطواتهما معاً وتتوَحَّد رقصاتهما في رقصة واحدة بإيقاع ثابت وترنيمة عشق صوفي ترك أثراً في قلب كل منهما كأنهما توأمان متماثلان متطابقان هذه حياتهما رقصة تلو رقصة ومسرح شهد خطواتهما معاً حياة بأكملها وعشق روحي مدى الحياة، تتحدث العاشقة لعزيزها تُوجِّه له الكلام فتقول (يداك زمنان من الأمان يكبر عمري بينهما كطفل) يُصوِّر الشاعر حال المتعبدة في محراب العزيز بأنها طفل ينمو ويكبر بين زمنين وهما يدا العزيز الذي تتحدث عنه وتتجلى أمامنا الصورة الجمالية التي أبدع فيها الشاعر حيث جعل يدي عزيزها كأنهما زمنان وهي تكبر بينهما في أمان كالطفل الصغير (ماء ينساب بين سنين العمر) صورة بيانية وكأن سنين العمر صخر مُتراص ينبع وينساب منه الماء ويمر بين الصخور بسهولة ويُسر وبغير انقطاع كشلال من العطاء بالرغم من مرور الزمن وجريان العمر إلا أنها كانت تستمتع مع توأم روحها بكل لحظة شعرت بوجوده معها وبجانبها (وصوتك في جوف السحر يكور الحياة على هيئة بلورة زرقاء) صوَّر الشاعر على لسان العاشقة صوت عزيزها في وقت السحر وكأنه ترنيمة وتعويذة سحرية تُكور الحياة وتحولها إلى بلورة سحرية، صورة متراكبة حيث ذكر (جوف السحر) وكأن وقت السحر ليس زمناً فحسب بل شيئاً مادياً له جوف عميق يتردد فيه صوت عزيز العاشقة المتعبدة في محرابه صوت رجل حكيم يتسم بالاتزان والنبرة الرخيمة المؤثرة التي تستدير وتُكوَّر الحياة طوعاً لهذا الصوت في سلاسة وامتثال وتتحول لبلورة زرقاء نقية يتحكم فيها رجل ذو لحية بيضاء كثيفة

 

يغلب عليه الشيب والوقار ويتصف بالحكمة والتحكم بمقاليد الأمور فحال المتعبدة الزاهدة العاشقة عشق الروح أمام هذا العزيز هو الانبهار والسحر الذي يملأ حياتها والذي يجذبها إليه دون إرادة منها لتستمر الحياة بنفس الحكمة والتدبر ويكرر الشاعر رقص أمام الينابيع ورقص في النيران ورقص فوق الرمال والتكرار يفيد الاستمرار على نفس الوتيرة وبنفس الإيقاع وعشق صوفي لا متناهي ولكنها حياة لا تخلو من المنغصات فتظهر مسحة الحزن في قوله (مثل دموع منافذ النور) فهذا النور الذي يملأ روح العاشقة نراه يبكي في عيونها في استعارة مكنية وتصوير منافذ النور التي منبعها وبيتها وسكنها روح العزيز وكأنها عيون تبكي وتذرف الدموع مما ينقلنا لحالة من الشجن فهو عشق الروح الصوفي وربما المعاناة في البُعد فهو لقاء الأرواح رغم المسافات بينهما، (ترقص عيني أمام وجهك) يعود الشاعر ليصف حال العاشقة حيث صور عينها وكأنها إنسان يرقص فرحاً لرؤية وجه مَنْ يحب ومَنْ يشتاق إليه وباعدت الأيام بينهما رغماً عنهما، هذا اللقاء الأسطوري الذي جعل العاشقة تصف لنا وجه عزيزها الملائكي العارف بكل اللغات (وجهك العارف لكل اللغات...لغات الفراشات والورود) استعارة مكنية صور الشاعر العزيز الذي تصفه العاشقة بأن له وجه كأنه عارف وله فتوح وأسرار لا يعلمها إلا الله وأُعطِيَ من العلم ما لم يُعط لأحد، وتستمر العاشقة التي تسكن قصيدة شاعرنا في وصف معشوقها العزيز (الشجر أمام ظلك رماد أخضر كريستالي) صورة بيانية شبه الشجر بالرماد الذي يتحول لكريستال أخضر يتلألأ أمام ظل عزيز العاشقة صورة رائعة استخدمها الشاعر حيث يفقد الشجر المورق كيانه ووجوده أمام سطوع ونور ظل هذا العزيز المنبعث من روحه وهيبة حضوره، ويسترسل الشاعر في مباهاة العاشقة ووصفها للعزيز المعشوق (والوقت أمام وجهك زمن بأربعين عمر) وكأن العاشقة عندما تنظر لوجه عزيزها في لمحة سريعة هي بمثابة مرور زمن بأربعين عمر فهو أمامها لا تبرح صورته خيالها، (ضحكتك كأس لخمر الليل وإيمان الصباح) صورة جمالية متراكبة تشبيه الليل بالإنسان الذي يشرب الخمر ويثمل بكأس هو ضحكة هذا العزيز حيث جعل الضحكة في اتساعها ونقائها كالكأس في استدارته وعمقه واحتوائه لخمر الليل فضحكة هذا العزيز في براءتها وصدقها كالخمر الذي أسكر وسلب عقل وروح العاشقة وضحكته كإيمان الصباح حيث صور الصباح بالإنسان الورع المؤمن الذي يشع إيمانه نوراً

وهذا النور هو ضياء ضحكة العزيز المُتَحَدَّث عنه بالقصيدة، وتستمر الحياة بمراحلها المختلفة بعين العاشقة والثلاث رقصات فيها في النيران وأمام الينابيع وفوق الرمال وتدور بنا عاشقة العزيز في الأفلاك في رحلة عشقها الصوفي (أنفاسك ميزان للمدى) وروعة الصور التي استخدمها الشاعر في نصه الأدبي الماتع حيث صور أنفاس العزيز لهذه العاشقة بالميزان الذي هو رمز العدالة فحتى أنفاسه محسوبة وتزن أبعد مما ترى العين والمقصود هنا حكمته البالغة ورأيه وحُكمه الذي لا يُخطئ كالأنفاس التي تدخل وتخرج من الصدر في حركات الشهيق والزفير دون انقطاع وتدل على استمرار الحياة للعاشقة بوجود هذا المعشوق والذي يمنحها أنفاسه دون أن يشعر لتحيا بها هانئة وتستأنس بها وتنعم بهذا العطاء وهذا النور والذي عاد الشاعر ليُعدد صوره فذكر سابقاً عيناه شمسان محفورتان ثم ذكر منافذ النور الساكنة بروحه ثم قال (ويد لكل النجوم) في تشبيهه لأنفاس العزيز بالميزان للمدى وهذه الأنفاس جعلها وكأنها يد لجسد من النجوم وشبه النجوم بالإنسان الذي له يد تتحكم وتسيطر وتتشابك النجوم في جسد واحد وبإمرة يد واحدة تسيطر على عالم العاشقة في محراب العزيز ذكر الشاعر الشموس والنجوم والنور كلها مصادر تستمد منها العاشقة الحياة وتشعر بالدفء والأمان في وجودها، (فأنت تتعب الغيم إذا نعست وتوجع النهر إذا تألمت) يصف الشاعر حال العاشقة وحزنها عندما يتألم ويتعب عزيز روحها حيث الصورة التي صورها لنا الشاعر وكأن الغيم يصاب بالإجهاد إذا شعر بتعب هذا الحكيم الذي هو رمز الحياة فالغيم يستمد منه السُّقيا والمطر الذي يُغرق به العاشقة في نهر من العطاء لا ينفد ماؤه ولكن هذا النهر يتوقف عن الجريان ويتوجع إذا تألم مانح هذا العطاء وتتوقف الحياة بالنسبة للعاشقة إن رأت الحزن والألم بعين هذا العزيز على قلبها فهي تريد أن تمنحه السعادة مثلما منحها هذا العطاء والأمان غير المشروط فيسكُب الغيم دموعه التي تؤلم النهر فيبكي بعين العاشقة المتعبدة في محراب عزيز القصيدة، وينتقل بنا الشاعر لحديث العاشقة المُوجه لمعشوقها لتقول له (بك أطوي المسافات لأصل لمصابيح النور) ودل ذلك على تذليل الصعاب واجتياز المسافات كمن يطوي صفحات كتاب فالعاشقة المتصوفة تتغلب على كل ما تواجه من محن بقوة هذا النور الذي تستمده من عزيز روحها لا يهمها مسافات أو أي عائق في سبيل الوصول إلى المصابيح التي تُنير حياتها وتمنحها الدفء والأمان

فتستقبل عطاءاً غير محدود مدى الحياة (أنت سيد الجمال الأول والأخير) وصف الشاعر عزيز العاشقة بصفة السيد في إشارة منه لرفعة مكانته فهو السيد الشريف والسيد الأوحد للجمال الأول والأخير في حياة العاشقة (تفر الغزلان من أكمام الغابات وتركض شمالا شمالا يحط الحمام أمام قدميك) صورة جمالية صور فيها الغابات وكأن لها أكمام كما لو أنها ترتدي رداءاً وله أكمام تفر منها الغزلان وتركض مسرعة نحو الشمال حيث ترى النور والجمال الذي يجذبها وهو نور هذا المعشوق الحكيم المعطاء حيث تضحي الغزلان ببيئتها وعيشها حرة بالغابات الواسعة لتذهب لهذا النور الذي يبهرها وقد تكون الأكمام كما الأغطية التي تغطي بيوت الغزلان وتحميها ولكنها تتنازل عن هذه الحماية لتحصل على أمان أكبر بجانب سيد الجمال، كذلك حال الحمام الذي يطير ويقطع المسافات ليحط أمام قدمي هذا العزيز فهو مصدر الأمان ورمز السلام فيستكين الحمام في دعة أمام قدميه، (وتتسع عيون الغيب الشاردة بتفسخ العشب فوق جبينك) الغيب هو الشيء الذي لا نعلمه ولا يرقى لعلمنا شيء عنه فيختص الله به وحده هنا صور الشاعر الغيب بالإنسان الذي له عيون شاردة وفي حالة من الذهول لرؤيتها العشب الذي ينمو ويتفسخ فوق جبين هذا العزيز صورة فلسفية سرها وتفسيرها يكمن بجعبة الشاعر ولكن العشب هنا يدل على النماء ولون العشب الأخضر يوحي بالحياة حيث موطنها جبين هذا المعشوق الذي خلقه الله بهذا النقاء وأوكل إليه رسالة العطاء ونشر السلام والنور والمحبة فتنجذب نحوه الكائنات الحية وتصاحبه برحلة عطائه السامية فالله وحده له حكمة في هذا التواصل الروحي بين العاشقة والعزيز على قلبها قد يكونان رمزاً للرحمة المهداة من الله أو قدوة لغيرهم من البشر في استمرار الحياة ونشر الحب والسلام والوئام بين الناس دون شرط أو مقابل ونجد هنا النزعة الإيمانية المسيطرة على شعور الشاعر وعاطفته في النص (بين الزجاج والضوء أرى ظل أصابعك) ينكسر الضوء ليمر من خلال الزجاج كشعاع يضئ العتمة فتظهر يد العطاء وظلها كاملاً بالأصابع التي تنساب الأشعة بينها لتنير روح العاشقة ويبقى لظلها أثراً داخلها يخترقها ويسكنها ويمنحها الأمان الذي تراه يضئ الزجاج ويشرق بعينها وقلبها وروحها، صورة من الصور الجميلة والإبداعية تجعلك تشعر وكأن جسدها هو الزجاج الذي يخترقه نور هذا المعشوق (بين ثلاثة عشر قمراً وعشرة طيور أرى ظل فمك)

تكرار كلمة الظل توحي بأن العزيز المعشوق غير ماثل أمامها ولكنه غائب وهناك بُعد زمني بينهما ومسافات وأنها تُحدِّثه في خيالها وتستدعي ظله وصورته في عينيها وقد نتصور أنها ترسل إليه رسالة ليقرأها ويعلم أنه الوحيد صاحب الأثر الذي لا يُمحى بقلبها، (أنت تشد أعصاب قلبي العمياء بأقواس كلماتك) تصوير قلب العاشقة بامتلاكه جهاز عصبي وشبكة من الأعصاب والتي توصل وتستقبل الإشارات من العقل وصور أعصاب قلب العاشقة بالإنسان الذي له عينان ولكنها عمياء عن كل ما حولها لا تُبصر سوى كلمات المعشوق التي يتردد صوت صداها داخلها دون توقف فهذه الكلمات الرنانة لها أقواس أوتارها أعصاب قلب العاشقة التي تشدها كلمات عزيز روحها بكل قوة لتنجذب إليه كالمسحور الذي لا يعي ما يحدث معه، (ويبكي النخيل إذا كُسرت في عيني الأيام) حالة من الشجن والحزن تصيب العاشقة وتعترف فيها ببكاء النخيل على حالها وهي استعارة مكنية صور فيها الشاعر النخيل كإنسان يبكي واختار الشاعر النخيل لأنه دليل العلو والشموخ والرفعة وكل من هو شامخ لا يذرف الدمع بسهولة إلا إن أصابه اليأس والحزن الشديد الذي يحمله على البكاء وصور الشاعر في صورته البيانية المتراكبة الأيام كالزجاج الذي يتكسر ويتحطم داخل عين العاشقة مما يدل على حالة الاعتراف بالفراق واستحالة اللقاء بين العاشقين ولكن العاشقة تُعَزِّي نفسها بالنور الموجود داخلها والذي تركه هذا العزيز المعشوق لينير حياتها مع تذكُّرها لرقصات الحياة التي رقصتها معه (ويبقى الدمع والفخاخ في يد الصيادين) كل ما تبقى مع العاشقة هو ذكرى لعزيز مر بحياتها ودموع تسيل دون توقف فتذهب للبحر وتلقي برسالتها فيه وترى الصيادين يُحضرون الفخاخ للصيد ولكنهم لا يعلمون أن الصيد قد يكون رسالاتها لعزيز روحها التي يتقاذفها الموج ويعلو كأنه مقامات لها هيبة وأضرحة لرسالت مدفونة داخلها هي رسالة البحر (البحر رسالة الذاكرة المتروكة) صورة جمالية شبه فيها الشاعر البحر بالرسالة الطويلة العميقة المكتوبة على صفحة ماء البحر تحكي حكاية عاشقين لا تنتهي هي رسالات نورانية وعشق صوفي وقدر مكتوب (في الأقدار أسرار وفي الأسرار أقدار) والقدر بيد الله هو وحده يعلم متى يلتقي العاشقان هو وحده يعلم سر هذا العشق الصوفي النوراني الذي ربط أرواحهما معاً إلى الأبد وتبقى رسالة البحر شاهدة على هذا العشق وينهي الشاعر قصيدته بقول العاشقة (هذا هو أنت ..... كلها رقصات) كما بدأ قصيدته كلها رقصات يا عزيزي... أي فلسفة هذه وأي عشق هذا وأي حضرة صوفية نتحدث عنها وقد يحتمل النص الأدبي

كثر من تأويل ولكن ترك لنا الشاعر رسالته المشفرة كل يحللها كما يشاء ويستشعر معانيها كما يتصور ويتراءى له هذه كانت رؤيتي الخاصة وتحليلي للقصيدة والذي لم أكتبه إلا بعد القراءة الكاملة للنص ولكنه يحتمل أن يكون بمثابة حديث مع النفس ويحتاج لقراءة ثانية وتفنيد أكثر للمعاني وقراءة ما وراء السطور ربما شدتني القصيدة لقراءتها وتقديم دراسة تحليلية عنها لقربها من قصيدة كتبتها بقلمي بعنوان ( مشكاة ونورها )وقد تفضل د. محمد جمال أستاذ العقيدة والفقه المقارن وعلوم الشريعة واللغة العربية بجامعة السلطان سليمان بالمملكة المغربية بتقديم قراءة استبطانية عنها في المؤلف المشترك الذي يضم عدد من قصائدي وقراءاته النقدية لها الصادر عن مركز أطلس بالمغرب عام ٢٠٢٣ لنا لقاء جديد وقراءة واستكمال تحليل النص الأدبي وجمالياته ورؤية وقراءة لقصيدتي "مشكاة ونورها" بعين الناقد الأدبي د. محمد جمال وتحليلي الخاص وفلسفتي بالقصيدة فالسِّر بالقصيد شفرة لا يفك رموزها إلا الشاعر نفسه وهي بصمته التي لا يمكن تقليدها. قدَّمَت الدراسة والمراجعة الأديبة والشاعرة والكاتبة الصحفية حنان فاروق العجمي

بداية الصفحة