تقارير
من «فتاة الشيبسي» إلى «الثقب الأسود».. الوجه الخفي لـ «صناعة التسول»

انتشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي ترند «فتاة الشيبسي»، التي فضلت أن تمنح ثمن كيس بطاطس لمتسول صادفته في الطريق، في مشهد مؤثر أثار إعجابًا واسعًا وتعاطفًا جارفًا على السوشيال ميديا.
ولكن خلف هذا الموقف الإنساني البريئ، يلوح في الأفق سؤالا أعمق: هل كل من يمد يده طلبًا للمال فعلًا محتاج، أم أن التسول تحول إلى مهنة منظمة تديرها شبكات تحقق أرباحًا طائلة وتستغل مشاعر الناس؟.
◄ استغلال العاطفة
في كل شارع وإشارة مرور، على أبواب المستشفيات والمساجد، يقف العشرات يمدون أيديهم طلبًا للأموال. مشهد اعتدناه حتى أصبح جزءًا من يومياتنا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل فعلًا كل هؤلاء محتاجون؟ أم أن وراء الظاهرة صناعة كاملة تتاجر في مشاعر المواطنين؟
بين كل قصة إنسانية عن طفل يبيع المناديل أو سيدة تجلس أمام المستشفى تستجدي المارة، يظهر وجه آخر للتسول؛ وجه لا يعتمد على الحاجة بقدر ما يعتمد على استغلال العاطفة وصناعة منظمة تحقق أرباحًا طائلة.
◄ حملات للداخلية
وكشفت عدة حملات مكثفة لوزارة الداخلية لمكافحة التسول عن وجود شبكات تدير المتسولين، وتوزعهم على أماكن محددة بعناية، بل وتحدد حصصًا يومية من الأموال يجب أن يجمعوها.
بعض الحالات التي تم ضبطها، كشفت عن أن المتسول الواحد قد يجني في اليوم ما يتجاوز 500 جنيه، وهو دخل يفوق ما يحصل عليه موظف حكومي متوسط الدخل.
◄ الثقب الأسود
انتشرت مقاطع مصورة تحت مسمى «الثقب الأسود»، تكشف دخول وخروج أطفال من فتحة أسفل كوبري بشكل مريب.
وكشفت وزارة الداخلية، سر ما تم تداوله عن ما يسمي بـ«الثقب الأسود»، أنه عبارة عن فتحة أسفل أحد الكبارى يتردد عليها أطفال ونساء وشباب، واتخاذها وكراً لاستغلال الأطفال فى أعمال التسول.
وحددت الأجهزة الأمنية، المكان المشار إليه بدائرة قسم شرطة الأهرام بالجيزة، وتم ضبط 20 شخصًا لـ7 منهم معلومات جنائية، من ضمنهم 8 سيدات و5 أطفال، وبحوزة 9 أشخاص منهم 9 قطع أسلحة بيضاء، لقيامهم باستغلال الأطفال الأحداث فى أعمال التسول واستجداء المارة، وبيع السلع بطريقة إلحاحية، بالمنطقة المحيطة بمكان ضبطهم
وأكدت وزارة الداخلية، في بيانها أنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية، والتنسيق مع الجهات المعنية لإغلاق الفتحة المشار إليها، واتخاذ الإجراءات اللازمة نحو إيداع الأطفال بإحدى دور الرعاية.
◄ شهادات تكشف حيل المتسولين
وقالت هنا سلامة «طالبة جامعية»: «مرة عرضت على ست متسولة أكل كنت جايباه، رفضته وقالتلي: لا يا بنتي إديني فلوس. وقتها بدأت أشك إن الموضوع مش مجرد احتياج».
بينما محمد كمال «سائق تاكسي»: «بشوف نفس الناس في نفس المكان كل يوم، كأنهم بيشتغلوا فيه شفتات. كأنها وظيفة مش تسول». وسخر الحاج فتحي «صاحب سوبر ماركت»، قائلا إن هناك الكثير من المتسولين يأتون يوميًا لتجميد مبالغ طائلة وأنهم يتربحون باسم العطف.
وقالت أروى سلامة: «أذكر أنني عندما كنت صغيرة، كنت ذاهبة إلى درس خصوصي، فرأيت رجلًا يرتدي جلبابًا قديمًا وممزقًا. كان يسير أمامي ثم اتجه إلى مكان خالٍ قليلًا من البيوت، فتابعته بعيني وأنا أمشي. فجأة خلع الجلباب، وإذا به يرتدي تحته بدلة أو ثيابًا أنيقة «لا أتذكر تحديدًا»، ثم أخرج من حقيبته البالية كيسًا مرتبًا جمع فيه ملابسه، وسار ليركب وسيلة مواصلات ويبدو أنه كان عائدًا إلى منزله.
منذ ذلك الموقف، توقفت تمامًا عن إعطاء المال للمتسولين في الشوارع، إلا إذا كان رجلًا مسنًا أو سيدة عجوزًا. فالفقير الحقيقي عزيز النفس، ولا يتسول.
◄ أصحاب ملايين
ومن وجهة نظر الخبراء، يرى حمدي عرفة استشاري البلديات الدولية، أن التسول قضية مجتمعية تشوه السياحة، موضحًا أن محافظة القاهرة تعاني من أكثر نسبة للمتسولين، يليها محافظة الإسكندرية ثم محافظات الدلتا والصعيد.
وأضاف أنه لا يوجد إحصائيات رسمية عن التسول، ولكن المتوسط العام للمتسولين يصل إلى 4000 في القاهرة و2000 في الإسكندرية، مشيرًأ إلى أن متوسط القضايا في شهر واحد، وصل إلى 14 ألف قضية تسول، موضحًا أن الصيف يشهد أكبر معدل لقضايا التسول مع انتعاش السياحة.
◄ عقوبات غير رادعة
وأكد خبير البلديات الدولية، أن العقوبات ضد من يمارس التسول غير رادعة، وأنها تتنوع من شهر حبس إلى 3 أشهر، وتزيد مدة الحبس إلى سنة، حال معاودة النشاط.
وذكر أن بعض المتسولين أصبحوا أصحاب أملاك عقارية، من نشاط التسول، وبعضهم يمتلك ملايين الجنيهات، مؤكدًا أن البلاد الأخرى تعاني أيضًا من انتشار المتسولين، خصوصًا الذين يستعطفون الناس بالأطفال والمرضى.
وأضاف حمدي عرفة، أنه لابد من القضاء على هذه الظاهرة، لأنها تهدد مظهر مصر الحضاري، موضحًا أنه طبقًا للمادة 25، من قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 79، التي تؤكد أن المحافظ له صلاحيات في اتخاذ إجراءات تحفظ السلم العام داخل المحافظة، وأن من حقه التصرف مع المتسولين طبقا للقانون.
وختم، مشددًا على ضرورة قيام المسؤولين بتوفير حياة كريمة، والبحث عن ظروف المتسولين وحلها.
◄ رأي الإفتاء
ومن الناحية الدينية، ذكرت دار الإفتاء في فتوى لها عن التسول، أن التسول ظاهرة قبيحة تُسيء إلى سمعة المجتمع، وتُعكر صفوه وتُشوه صورته، وتجعل المتسول يظهر بصورة المحتاج والذليل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُذلّ المؤمن نفسه، قال صلى الهو عليه وسلم: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» أخرجه الترمذي.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المهنة ونفّر منها؛ لأن صاحبها يفقد كرامته في الدنيا ويسيء إلى آخرته؛ لما روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».
وبين من يستحق العطف ومن يستغل التعاطف، يقف المجتمع المصري أمام معضلة حقيقية. الظاهرة لن تختفي إلا إذا أُعيد توجيه الخير في مساره الصحيح: إلى المستحق لا إلى المتاجر بالرحمة.